علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
180
البصائر والذخائر
وإن لم يأمرنا بالنّحو ، وإلّا فهات أنه يدلّ على أنه أمرنا بأن نتعلّم ضرب عبد اللّه زيدا . وقد رأيت روغانه عن تحصيل الحجّة في معرفة ذلك : ألا يعلم أن الكلام كالجسم والنحو كالحلية ، وأنّ التمييز بين الجسم والجسم إنّما يقع بالحلى القائمة والأعراض الحالّة فيه ، وأنّ حاجته إلى حركة الكلمة بأخذه « 1 » وجوه الإعراب حتى يتميز الخطأ من الصواب كحاجته إلى نفس الخطاب . وليس على كلامه قياس ، ولا في ركاكة بني جنسه التباس ، وإنما غرّه « 2 » من هو أنقص منه فطرة ، وأخسّ نظرا وفكرة . أتراه يصل إلى تخليص اللفظ المبنيّ على معنى دون اللفظ المبنيّ على معنى آخر ، إلّا بحفظ الأسماء وتصريفها ؟ أو تراه يقف « 3 » على تحصيل المعنى المدفون في هذا اللفظ دون المعنى المدفون في هذا اللفظ إلّا بتمييز وجوه حركات اللفظ ؟ فبان لك أن الحالف بالتورية في يمينه : واللّه ما رأيته ، وهو يريد ما ضربت رئته ، وو اللّه ما قلبته ، وهو يريد ما ضربت قلبه ، ليدفع عن نفسه ضيما نزل به بما يفهم من الرؤية « 4 » والقلب الذي هو العكس ، إنما يبرأ من الحنث ويتخلّص من الضّيم لقيامه بحفظ اللغة ، كذلك من يعرف الفرق الواقع بين الإعراب « 5 » الذي هو حركة آخر الكلمة في قوله : أنت طالق إن دخلت الدار ، وأنت طالق أن دخلت الدار ، وفي قوله فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( يس : 76 ) وأنّا نعلم فرق « 6 » ، متى لم يقف عليه زلّ إلى الكفر ، وكذلك في قوله أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ( التوبة : 3 ) ، فرق يتوسّط بين الصواب والخطأ ، صوابه إيمان وخطأه كفر . وبسبب هذا الحرف وضع النحو ، لأن عليّا ابن أبي طالب رضي اللّه عنه سمع قارئا يقرأ على غير وجه الصواب ، فساءه
--> ( 1 ) ك ر : باخد . ( 2 ) ك : غربه ؛ ر : عربه . ( 3 ) يقف : سقطت من ح . ( 4 ) ح ك : الرئة . ( 5 ) ر : الواقع بالاعراب . ( 6 ) ك : وفرق .